حال المؤمن في الدنيا يشبه العبد المُكاتب -وكلنا عبيد الله- وهو عبد كاتب سيده على مبلغ معين من المال، متى ما سدد العبد هذا المال لسيده، أعتقه فصار حُرًا.
والمؤمن يشتري نفسه ويعتقها من الشبهات والأهواء والشهوات فلا يبقى عليه دين من ذرة هوى إلا حرّر نفسه منه، وكلما زاد في رق العبودية لله تعالى، تحرر من رقّ الأغيار: الدنيا والمخلوقين.
وبقدر كمال العبودية، يكون جمال الحرية وحلاوتها.. فتلكمُ الحرية الحقة، حرية الروح لا المال والبدن والنفس. تلك الحرية التي يختار فيها الإنسان عن حق وحقيقة ما يحب وما يكره، حرية لا يبالي معها بذم الناس ومدحهم، حرية بدأت من الحق وانتهت إليه نائيةً عن الخلق، حرية تجرّدت عن لباس الشهرة والمدح والذم والبغض والحب، شيءٌ فوق. من الأعلى كيف له أن ينزل فتدركه العقول السفلى من تشبثت بالدنيا وتعلقت أرواحها بها؟
"فَإذا تَرَكَ الكُفْرَ والفِسْقَ وأقَدَمَ عَلى الإيمانِ والطّاعَةِ صارَ كَأنَّهُ اشْتَرى نَفْسَهُ مِنَ العَذابِ والنّارِ فَصارَ حالُ المُؤْمِنِ كالمُكاتَبِ يَبْذُلُ دارَهِمَ مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ فَكَذَلِكَ المُؤْمِنُ يَبْذُلُ أنْفاسًا مَعْدُودَةً ويَشْتَرِي بِها نَفْسَهُ أبَدًا لَكِنَّ المَكاتَبَ عَبْدٌ ما بَقِيَ عَلَيْهِ دارَهِمُ، فَكَذا المُكَلَّفُ لا يَنْجُو عَنْ رِقِّ العُبُودِيَّةِ ما دامَ لَهُ نَفْسٌ واحِدٌ في الدُّنْيا" الرازي
ختمها بالرأفة؛ ليؤكد حصول من هذه صفاته (شراء نفسه ابتغاء مرضات الله) على خيرات الله ورحماته في الدنيا والآخرة
"فالرَّأْفَةُ كِنايَةٌ عَنْ لازِمِها وهو إيتاءُ الخَيْراتِ كالرَّحْمَةِ
والظّاهِرُ أنَّ التَّعْرِيفَ في قَوْلِهِ العِبادِ تَعْرِيفُ اسْتِغْراقٍ، لِأنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ بِجَمِيعِ عِبادِهِ وهم مُتَفاوِتُونَ فِيها فَمِنهم مَن تَنالُهُ رَأْفَةُ اللَّهِ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ عَلى تَفاوُتٍ فِيهِما يَقْتَضِيهِ عِلْمُ اللَّهِ وحِكْمَتُهُ" ابن عاشور
— شروق المحمادي
📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)
💬 تعليقات المسافرين
لا تعليقات بعد… كن أول من يعلّق ✈️