شعب العلاقة مع القرآن

القرآن وعلم النفس من يتفوق على من؟ في تغيير الإنسان فكرًا وسلوكًا

هذه تأملات وخطرات أقارن فيها بين منهجية القرآن الكريم ومنهجية علم النفس في تغيير الإنسان: في سلوكه، وفي معتقده، وفي فكره.

ومن أين أتت هذه التأملات؟ من تجارب؛ بعضها رأيته، وبعضها سمعته، وبعضها الآخر من تجربة شخصية في أثناء رحلة حفظي للقرآن الكريم، وقد كانت سنةً وتسعة أشهر بفضل الله تعالى.

فأنا لم آخذها من كتب أو مصادر معينة، وإنما أعتقد أن أصدق المعرفة ما أتى من حلاوة التجربة ومرارتها؛ لأن الكتب والدراسات قد يكون فيها فلسفة زائدة لا يحتاجها الإنسان، كشجرةٍ أغصانها وغصونها وأفنانها وأفانينها زائدة نحتاج أن نقصّها، وبالكاد يجد الإنسان فيها الثمرة التي يطلبها ويريدها.

أما تجربة الإنسان فهي أصدق في المعرفة وتقريب الحقيقة.

وحين أقارن بمنهجية علم النفس، فكما ذكر الدكتور عبدالله الجابر في حلقة عنوانها -فيما أعتقد- «كيف نسعد بعلاقاتنا»: أن مشكلة علم النفس أنه حصر الإنسان في مجال وحيّز ضيق جدًا، وهو المشاعر والعواطف.

فقد جعل أمراض الإنسان في العواطف وحدها: قلق، واكتئاب، وفزع. هل تعرفون شيئًا آخر؟ هل قال لكم أحد إن هناك أمراضًا نفسية أخرى؟ فالعلاج والاضطرابات مقصورة على المشاعر والعواطف، وكأن ليس للإنسان إلا هذه المشكلات، بينما عالم الإنسان من المشكلات واسع: مشكلات لسانية، ومشكلات لغوية، ومشكلات ثقافية، ومشكلات اجتماعية، وغيرها من المسائل، ومشكلات روحية وإيمانية.

وقد وُفّق الدكتور عبدالله الجابر في هذه النقاط حين قال: إن منهجية الإسلام -أو أعود على كلامه فأقول: منهجية القرآن- أن أمراض الإنسان في القلب. فالقرآن الكريم في منهجية تغييره للإنسان يركز على أمراض القلوب، ويضعها نصب عيني قارئه ومن جالسه؛ فهو يحدثنا عن أمراض القلوب من شك ونفاق وغرور ورياء: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس)، وغير ذلك كثير.

وهذا لا يعني أن علم النفس خاطئ في كل ما فيه؛ ففيه نظريات صحيحة، وله فضل عليّ -بعد الله- في تقويم كثير من طرائق التفكير وعادات العقل وتغييرها، وغير ذلك. لا أنكر ذلك؛ فهو تخصص محترم قائم بذاته، لكن فيه بعض المشكلات، ونحن نتحدث عن هذا البعض.

فالقرآن الكريم يركز على العلاج الأخلاقي من ناحية الفكر ومن ناحية السلوك. وطريقة الاستشفاء والعلاج بالقرآن الكريم مختلفة عن الطريقة النفسية؛ فهي تعتمد على التكرار، والورد الدائم الذي يداوم عليه الإنسان، وتعميق العلاقة وتشعيبها: «شُعب العلاقة مع القرآن» كما سميتها.

بمعنى أن الإنسان لن يستفيد من القرآن الكريم في الشفاء والاهتداء دون أن يعدد شُعب العلاقة معه؛ فلا يقتصر على ورد من القراءة فقط، أو على الاستماع وحده، وإنما يضيف إليهما فهم القرآن وتفسيره، والقراءة فيه، والتدبر، والعمل.

وحين يأتي أخصائي نفسي فيقول: أحيانًا يأتيني بعضهم وهو حافظ للقرآن الكريم، وإمام مسجد وخطيب، وعنده مع ذلك مشكلات نفسية! فإننا نحاكم هذا الأخصائي ونقول له: لا ينبغي لك أن تقول هذا الكلام وتنشره بين الناس. لماذا؟ لأن هذه مشكلة فردية، مشكلته هو؛ فقد يكون عنده خطأ في فهم القرآن. ولنضرب مثالًا:

ذكر أحد التربويين، وهو الدكتور مصطفى أبو سعد، في حلقة له، أنه جاءه إلى العيادة خطيب وإمام مسجد عنده مشكلة نفسية -لا داعي لذكرها- وهي إدمان سيئ معين. فما السبب؟ كيف يحافظ إنسان كهذا على الصلاة ثم يقع في مثل هذا؟ إن هذا يُحدث إشكالًا عند المستمع حين يسمع مثل هذه القصص، فيقول: إذن حتى الدين لن ينفع، وحتى القرآن لن ينفع، فلماذا أهدر وقتي؟ ولذلك لا بد من تبيين الحالة.

فقد ذكر أن هذا الإنسان استخدم الحيلة الفقهية ليبرر لنفسه هذا الخطأ؛ إذ يقول: أنا أعرف الشريعة، فذهبت أبحث حتى أجد فتوى تبيح لي هذا الأمر على هواي ومزاجي. إذن هذه المشكلة التي وقع فيها، وهذا المرض الذي في نفسه، هو السبب فيه، وليس القرآن هو السبب، وليس التدين هو السبب.

هو عنده مشكلة؛ يقول الله تعالى في سورة البقرة: (في قلوبهم مرض). قال العلماء: في هذا دليل على أن المرض من العبد نفسه: (في قلوبهم)؛ أي إن المرض من نفس العبد، لا من التدين ولا من القرآن، فلا تنسبه إلى الشريعة. هو عنده خطأ في منهجيته مع القرآن، وخطأ في فهم الصلاة، وخطأ في فهم الشريعة؛ فلماذا لا تُبيَّن هذه الحالة للناس؟

لماذا هذه الجملة العامة؟ ولماذا تستشهد بها، وتقول: أعرف كثيرًا من المتدينين، وخطيب مسجد، وعندهم إدمانات ومشكلات؟ لماذا لا تبيّن لنا الخطأ الذي وقع فيه هذا الإنسان، بدل أن تربط الأمر ربطًا يشوّش على الإنسان فهمه، ويكون سببًا في تشكيكه في دينه؟ وأنا أعلم أن هذا ليس قصد الأخصائي حين يقول ذلك، لكن هذا الكلام لا داعي له ما دام جملة عامة.

هذا الإنسان عنده خطأ في منهجية فهم القرآن؛ فهو يستخدم الحيلة الفقهية. ولا بأس عند بعض العلماء أن تُستخدم الحيل الفقهية في مجالها، فهم يستخدمونها لرفع الحرج ونحو ذلك، لكنها لا تُستخدم للتحلل من الأحكام المحرمة والحدود وغير ذلك.

فنعود إلى هذه المسألة مرة أخرى: حين يزعم الإنسان أن القرآن الكريم لم يعالج المشكلات والأمراض التي فيه، نقول: لأن عنده مشكلة وخطأ في تعامله مع القرآن وفي منهجيته معه، وقد تكون المشكلة في عدم العمل. فإن الله تعالى يقول في سورة المائدة: (قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم)، وهو القرآن.

أي: لستم على شيء حتى تعملوا بالقرآن وتطبقوه. فليست المسألة أن تحفظ القرآن، فإذا سألناك: كم آية؟ أعطيتنا الإجابة -ما شاء الله-، أو أن تحفظه بالقراءات العشر، بل هناك جانب مهم: أن يقيمه. يقول الله تعالى: (وأقيموا الصلاة)، فما معناه؟ أن يستجيب للصلاة، ويحافظ على شروطها وأركانها وواجباتها وخشوعها، إلى غير ذلك؛ أي أن يعمل.

فإذا لم يعمل بالقرآن فلا بد أن يواجه المشكلات، وتستمر الأمراض في نفسه، ولن يفيده القرآن. نعم، فالقرآن إما لك وإما عليك.

ولهذا، كان من الأسباب التي جعلتني أتردد في حفظ القرآن: أنني كنت أجد أمثلة ونماذج سيئة لحفظة القرآن؛ لأنهم لا يطبقون القرآن، فأجد فيهم سلوكيات سلبية سيئة وأخلاقيات خاطئة، فأقول: لماذا أحفظ القرآن ثم أصير مثلهم؟

لقد أعطوني -بصراحة- نموذجًا سيئًا. لكن طريقة تفكيري تغيرت بعد ذلك، مع فهمي لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم)؛ فكانت هذه الآية جوابًا عن ذلك. فإذا كان عند الإنسان مشكلات من النفاق، أو أمراض نفسية، أو مشكلات إيمانية وروحية، فهذا بسببه هو، لا بسبب القرآن؛ لأنه لم يطبق القرآن ولم يعمل به.

وربما كان السبب تقصيره في فهم القرآن؛ فليست المسألة أن يقرأ الإنسان القرآن وينتهي الأمر. يجب أن تحافظ على وردٍ من القرآن كل يوم، وهذا كلام جميل حسن، ولكن لا بد من التنبيه على تشعيب العلاقة في علاج هذه المشكلات والأمراض؛ وتشعيب العلاقة معناه أن يعدد الإنسان علاقته مع القرآن: تارةً بالفهم والتفسير، وتارةً بالتدبر والتأمل، وتارةً بالاستماع والاستشفاء، وهكذا يتحقق معنى الاستشفاء والشفاء بالقرآن الكريم.

أما أن يقرأ ولا يطبق، فطبيعيٌّ أن يقع في المشكلات النفسية. وأما أن يقرأ ولا يفهم القرآن ولا يدري ما يقول، فسيكون استشفاؤه بالقرآن ناقصًا.

والآن نأتي إلى منهجية القرآن في تغيير الإنسان: فهي تعتمد -كما ذكرنا- على تعديد شُعب العلاقة مع القرآن، من تدبر وعمل، والتنويع فيها، وألا يقتصر على نوع واحد فقط من العلاقة مع القرآن.

والمسألة الثانية: أن القرآن الكريم يعتمد في التغيير على التكرار. فحفظ القرآن يعتمد على كثرة التكرار، ثم بعد الحفظ يحافظ الحافظ على وردٍ معين من القرآن، وفي هذا تكرار، فما إن يفرغ من وردٍ ومن ختمة حتى يدخل في ختمة أخرى؛ فالحِكم والعلوم والشفاء تتكرر عليه. وهذا التكرار له دور في تغيير الإنسان، وموضوع التكرار وأهميته في تغيير الإنسان معروف في الإعلام وفي علم النفس.

والمسألة الثالثة: منهجية طول المصاحبة والمجالسة والمؤانسة. فمن يذهب اليوم إلى أخصائي نفسي يجالسه ساعة أو ساعتين، جلسةً أو جلستين أو ثلاثًا، ولا أعتقد أنها أكثر من ساعة أو ساعتين، ولفترة قصيرة محدودة. ولهذا قد ينتكس الإنسان -بمفهوم الانتكاس في علم النفس- فتعود إليه سلوكياته السيئة، ويحتاج إلى العيادة مرة أخرى؛ لأن تغيير علم النفس للنفس البشرية تغيير فرعي، لا أصلي ولا جوهري ولا جذري؛ فهو يغير السطح ولا يغير العمق.

ولهذا قد يمكث الإنسان في علم النفس وعلومه ربما ثماني عشرة سنة وهو يقرأ في الكتب وغيرها، ولا يتغير فيه شيء، بل تزداد في الحقيقة مشكلاته وإحباطاته.

فقولوا لي إذن: لماذا يغير القرآنُ الإنسانَ في سنة واحدة فقط مئةً وثمانين درجة؟ اقرؤوا في ذلك، واستمعوا إلى تجارب حفظة القرآن وقصصهم، وكيف غيّرهم القرآن حتى أصبحوا إنسانًا آخر غير الذي كانوا؛ (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات)، وكذلك نفس الإنسان تتبدل بعد القرآن؛ فالنفس ليست هي النفس، والروح ليست هي الروح. وكأن القرآن يأخذ جهازنا العصبي القديم فيرميه، ويعطينا جهازًا عصبيًا جديدًا؛ هكذا أراه: يعطينا دمًا جديدًا، وروحًا جديدة، وحياة جديدة.

ولهذا لا تستغرب حين ترى كثيرًا من حفاظ القرآن يقولون: اليوم وُلدت، اليوم تاريخ ميلادي الحقيقي.

وقوله تعالى: (قل لو شاء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله أفلا تعقلون)؛ فأنا أفهم منها -وهذا تدبرٌ لي فيها- كأنه يقول: عمري وحياتي قبل أن يأتيني الوحي شيء، وعمري وحياتي بعد الوحي شيء آخر؛ فبعد القرآن صار لي تاريخ ميلاد جديد. (فقد لبثت فيكم عمرًا من قبله)؛ أفهم من الآية أن هناك عمرًا من بعده، كأنه عمر جديد.

وعلى أي حال، كنا نقول: إن من يذهب إلى أخصائي نفسي يجالسه ساعة أو ساعتين أو ثلاثًا، ولهذا فليس تغييره تغييرًا حقيقيًا. أما من يحفظ القرآن الكريم، فإنه يجالس القرآن خمس ساعات أو ستًّا في اليوم، وكثير من حفاظ القرآن يقولون: ما كنا ننام إلا أربع ساعات أو خمسًا في اليوم، وطوال الوقت يردد ويكرر.

وبعد أن يحفظ القرآن، يعطيه وقته حتى لا ينساه، وإلا فما فائدة السنة أو السنتين اللتين حفظ فيهما القرآن؟ فقارئ القرآن وصاحبه، بطول مجالسته له، يكتسب صفات القرآن وأسماءه.

ومن أسماء القرآن: الكريم، والحكيم، والمحكم. والمحكم -وقد خطرت لي هذه الكلمة- والحُكم والحِكمة، كلها بمعنى أنه يضبط الإنسان: يضبط إرادته وشهواته وأهواءه وأفكاره ومعتقداته.

وذلك أن القرآن الكريم يضبط الإنسان في هذه النواحي؛ فهو محكم يجعل الإنسان مُحكَمًا. فمن طبيعة البشر أن تأتيه أفكار: لنفعل كذا، فيزجره القرآن، فيقول: لا أريد أن أفعل كذا، لا أريد أن أقول كذا. فهو يجعل الإنسان محكمًا، ويقوّم القرآنُ قارئه بالصفات العالية؛ فالقرآن كريم يجعل صاحبه كريمًا، والقرآن حكيم يجعل صاحبه حكيمًا، تجد عنده تأملات رائعة وتدبرات جميلة للقرآن الكريم.

والقرآن سُمّي بالعظيم، وصاحبه عظيم؛ ففي معنى الحديث الصحيح عن أحد الصحابة: كان الذي يقرأ البقرة فينا -أي يحفظها- يعظُم أمره فينا؛ أي يصير إنسانًا عظيمًا، وعظمته في قبول الخلق له، وغير ذلك.

ومن أسماء القرآن أيضًا: الحبل؛ (واعتصموا بحبل الله)، وحبل الله هو القرآن. وفي معنى الحديث الصحيح أيضًا: أن القرآن حبل الله الممدود من السماء إلى الأرض، طرفه بيد الله، وطرفه الآخر بيد العبد الممسك به.

وهذه الصورة تأتي إلى خيالي دائمًا: أتخيل أن هناك حبالًا ممدودة من السماء إلى الأرض، يتمسك بها حفاظ القرآن، وهناك أناس غير متمسكين بهذه الحبال. أتخيل الكرة الأرضية وأناسًا ممسكين بهذه الحبال؛ هؤلاء هم الناجون بإذن الله، إن شاء الله، لأن هذا الأمر بيد الله تعالى. لكن هؤلاء ينجيهم القرآن من الشهوات، وينجيهم من زينة الحياة الدنيا وزهرتها والاغترار بها.

وكما قال الدكتور أحمد عبد المنعم: كلما قرأ الإنسان القرآن الكريم زهّده في الدنيا ورغّبه في الآخرة. وأتذكر الآن آيات سورة البقرة: (والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالآخرة هم يوقنون).

فهنا استُعمل الحصر؛ فحصر اليقين في الآخرة وحدها، وكأن اليقين بغيرها ليس بشيء كثير؛ فقد يكون الإنسان موقنًا بالدنيا، لكنه حصر اليقين وخصّه بالآخرة.

ومن أسماء القرآن: النور، وهو يُعدي صاحبه بالنور. وهذا النور يكون نورًا حقيقيًا فارقًا؛ أي نابعًا من أصل الإنسان. أما المنافق فقد ينتفع بالقرآن، لكنه انتفاع قليل ونور قليل، وهذا النور الذي مع المنافق نور خارجي برّاني.

أما نور المؤمن فهو نور جوّاني داخلي، بسبب ما معه من نور حقيقي أصلي في قلبه. (مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم)؛ فهنا يصف الله تعالى المنافق بأن له نورًا، ولم يقل: بضيائهم؛ لأن المنافق ليس له ضياء كالمؤمن، وإنما له نور -والنور أخف، كما تعلمون، وأقل من الضياء-. و(أضاءت ما حوله) دليل على أن نور المنافق نور خارجي، مصدره خارجي. والدليل أيضًا قوله: (استوقد)؛ أي إنه طلب المعونة من غيره على إيقاد هذه النار.

ولو كان هذا النور من معدنه وأصله لقال: أوقد، ولكنه قال: استوقد. إذن فنور المؤمن نور أصلي حقيقي؛ فالقرآن ينير وجهه وقلبه وروحه ولسانه.

وكذلك يظهر قصور علم النفس في التغيير؛ فهو لا يغير إلا المشاعر وأشياء خفيفة جدًا.

أما القرآن الكريم فتغييره شمولي؛ فهو يغير حتى اللسان، حتى اللغة، حتى البيان يتغير عند الإنسان، حتى الذاكرة؛ فتجد الذين يحفظون القرآن يقولون: أصبحت ذاكرتنا قوية. ولا تسأل عن هذا، فحفاظ القرآن لا يتحدثون عنه؛ فهم -حقًّا- في نعيم، ولكن بعضهم يسكت عن هذا النعيم خوفًا عليه وخشيةً عليه.

وأنا أقول: كل لذة دون القرآن ناقصة. فإذا حفظ الإنسان القرآن وتدبره ووصل إليه، كانت لذته كاملة، وإن نقصت اللذات من حوله، وإن نقصت الدنيا من حوله.

فقد ذكر الشيخ عبدالسلام الشويعر في محاضرة له أن مسلمًا غير عربي حفظ القرآن وكان لا يلحن، يقول الشيخ: لم أجد له خطأً واحدًا. لماذا؟ لأن القرآن الكريم أعداه بالبيان، ومن أسماء القرآن البيان والمبين: (تلك آيات الكتاب المبين)؛ ولهذا فهو يُعدي صاحبه بالبيان والبلاغة واللغة، ويقوّم مشكلات اللسان واللغة عند الإنسان ويعالجها.

فهل يفعل علم النفس هذا؟ علم النفس يعالج أشياء محدودة. ونحن لا نهمّش قيمة علم النفس؛ فهذه تأملات لا لغو فيها. هو علم قائم بذاته، يدرسه الناس سنوات، فلا يأتي إنسان فيضع عليه علامة خطأ! ولا نقلل من أهميته؛ فهو مهم، ونظرياته مهمة، ولكننا نبين بعض المشكلات التي فيه: أنه يحصر الإنسان في النفس وحدها، ثم يحصر النفس في العواطف والمشاعر، بينما الإنسان -جملةً وتفصيلًا- أكبر من ذلك.

فالإنسان له اتصال بربه، وفي هذا الاتصال مشكلات لا بد أن يحلها، والقرآن يساعده على حلها. وعنده مشكلات في اتصاله وتواصله مع نفسه، ومشكلات في اتصاله بالآخرين وتفاعله معهم، وهذه كلها يعالجها القرآن الكريم.

وأيضًا من ناحية المصدر، كما ذكر الدكتور أحمد عبد المنعم -ونحييه على هذه الملاحظة-: أن مناهج علم النفس، كمدرسة التحليل النفسي لفرويد، ثم المدرسة السلوكية وغيرها، فيها مشكلات وأخطاء؛ لأنها من وضع البشر. أما الله سبحانه وتعالى فهو الذي خلق البشر والنفس البشرية، وهو أعلم بما يصلحها وما فيها من عيوب: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). فالله تعالى أعلم بهذه النفس وما يصلحها وما يشفيها؛ ولهذا فإن القرآن الكريم أسلم المناهج وأفضلها في تقويم النفس البشرية وتعديلها.

— شروق المحمادي

📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)

رحلات أخرى في «شعب العلاقة مع القرآن»

شعب العلاقة مع القرآن

في بداية علاقتك مع القرآن

استمع لسورة تحبها لصوت قاريء تحبه -بغض النظر عن إتقانه للتجويد أو لا لأن الغرض هنا هو بناء المحبة بينك وبين القرآن-.

٢ أغسطس ٢٠٢٦ · دقيقة قراءة

شعب العلاقة مع القرآن

شعب العلاقة مع القرآن، ودرجات أخذ الكتاب بقوة

أعني بتشعيب العلاقة مع القرآن الكريم: أن تكون العلاقة معه متعددة لا من نوع واحد؛ فلا يصح أن يقتصر الإنسان على القراءة وحدها، أو يكتفي بالحفظ وحده، أو بالتفسير والفهم وحدهما، بل هي أنواع عليه أن يأخذ بها ويسلك طريقها، ولكن بالتدرج. وسنعلم كيفية هذا الطريق وما الأدلة عليه.

١٥ يوليو ٢٠٢٦ · ٥ دقائق قراءة