تأملات في القرآن والسنة

تدبر في قوله تعالى {قالوا يا أبانا مالك لا تأمنا على يوسف}

ثم لما غدروا به، وأرادوا أخاه الثاني بنيامين (قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل)؟

تدبر الكلمات المشتركة: تأمنا، آمنكم؟

الإنسان يعطي الثقة والأمان مرة واحدة، ثم إذا جُرح يشك ألف مرة ولا يثق ولا يعطِ الأمان

من فطنة يعقوب عليه السلام أنه لما أصروا عليه في أخذ بنيامين أنه أخذ عليهم العهود والمواثيق واستثنى (قال لن أرسله معكم حتى تأتوني موثقًا من الله لتأتونني به إلا أن يحاط بكم) وفيه أن للمغدور ألا يثق بالغادر ولو لمرة كانت غدرته، وإعطاء الأمان له لا يكون إلا بالحيطة والحذر والاحتراز والاحتراس بأخذ المواثيق والكتابة والعقد والشهود وغيرها من وسائل ليأمن حقه ويحفظه صيانةً

طبيعة العقل البشري: البناء على الحُكم والتجربة الأولى. ولهذا لما قالوا له عن أخذ العزيز لبنيامين وهم صادقون الآن (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا). وهو قالها لأنه بشر تجري عليه طبيعة الأحكام البشرية الفطرية وإلا فإن نبي الله يعقوب عليه السلام قد مدح الله علمه (وإنه لذو علم لما علمناه) فكل ماقاله لا يقدح في علمه.

ورغم تألمه من مرارة التجربتين (فقد يوسف وبنيامين) كان حسن ظنه بالله عالٍ جدًا وهذا والله أعلم هو علمه الممدوح وما يثمره العلم من خشية وحسن الظن (قال بل سولت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا إنه هو العليم الحكيم) وقوله (يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون).

ونستفيد من هذا أن الإنسان لا يحكم على التجربة الأولى لأنها فشلت وخابت؛ فقد يكون في التجربة الثانية نجاحًا وفلاحًا عظيمًا.

والبناء على التجربة الأولى (يذكره بمشاعر الإحباط والكره واليأس وغيرها) يضيّع عليه فُرص الفهم والعلاقات والإنتاج والعمل والكثير من المنافع الضائعة كانت لأننا بنينا على مرارة الأولى

وألا يحكم الإنسان على الخلق والناس بنفس المنظور والتصور فإنه من ضيق النفس والجهل، ولكن ينوّع الأحكام عليهم بين حسن ظن وسوء

وقال د.وهبه الزحيلي في صفات القاضي:

"معرفة الناس وأحوالهم، والتبصر بمكرهم وخداعهم، ولا ينبغي أن يُحسن الظن بهم، بل يكون حذرًا فطنًا مما يصورونه في سؤالاتهم، لعلّا يبرعوا في المكروه، ويزيده حديث: «احترسوا من الناس بسوء الظن»."

ومنها أن يطلع على قصص المكائد والخدع والمكر ويُجالس أعدءاه وأصدقاءه ليكتسب هذا العلم! فإنه ليس في الكتب بل في المجالس.

حتى لا يكون مخدوعًا ويكون فطنًا نبيهًا، لأن من يقع في الخديعة بسبب جهله بها، وكل خديعة ما انطلت عليك فذلك لتوفيق الله لك أولًا ثم لعلمك بها ثانيًا

— شروق المحمادي

📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)

رحلات أخرى في «تأملات في القرآن والسنة»

تأملات في القرآن والسنة

(إن الله مبتليكم بنهر)

(قال إن الله مبتليكم بنَهَر) انقسموا إلى ثلاثة فرق:

٦ أغسطس ٢٠٢٦ · دقيقتان قراءة

تأملات في القرآن والسنة

(واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها)

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ) مثل ضربه الله لمن آتاه القرآن والحجج البينة فلم يعمل به؛ وسبب زيغه عن الهدى: اتباع الهوى عوض الكتاب؛ وإيثار الدنيا على الآخرة.

٥ أغسطس ٢٠٢٦ · دقيقة قراءة