مؤهلات الاصطفاء
لما أبلغ النبي بني إسرائيل ببعث طالوت عليهم ملكا؛ قالوا متعجبين كيف يكون له الملك وهو فقير لا حسب ولا مال، ونحن الذين ننحدر من سلالة الملوك!؟ فأعلمهم أن مؤهلاته للاصطفاء هي "العلم والقدرة" (وزاده بسطة في العلم والجسم). وقدم ذكر العلم لشرفه البليغ، والجسم القوة التي تؤهله للحرب؛ وهي أي قدرة وموهبة أنعم الله بها على المرء.
على أننا هنا لا نتحدث عن المُلك بل عن اصطفاء الله لعباده الصالحين ليقرّبهم منه في مقامات العبودية.
الله لما يصطفي عبدًا؛ لا يسأله خبرة ١٠ سنوات! ولا شغف ورغبة، كلا! فلو كان غارقًا في الظلمات؛ فإن إرادة الله فوق إرادة كل مخلوق وإن كان ممانعًا للهداية كارهًا لها. ولكن هناك صفات مُشاهدة في من يختارهم الله:
التواضع: للحقيقة والاستسلام لها؛ لأن الله لا يهدي متكبرًا (سأصرف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق).
الدعاء بالهداية: بأن يجعله صالحًا ويدخله في الصالحين
حُب العلم والبحث عن الحقيقة والجد والاجتهاد؛ وأي علم كان! فإن الله يحب العزيمة وأخذ الكتب بقوة فهذه تؤهله غدًا لدراسة كتابه العزيز.
القدرة والموهبة في أي شيء: ليكون غدًا أملًا يقوّي مجتمعه ووطنه الذي يعيش فيه إن صار صالحًا ثم مُصلحًا.
سورة الصُلحاء
(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) طريق المحبة في هاتين: قرآن وسنة من اتبعهما وعمل بهما فقد أفلح وجهه.
ثم ذكر أن طريق محبة الله له أعلام ونجوم يسير المرء على خطاهم فيصل إليها:
(إن الله اصطفى آدم ونوحًا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين. ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) تأملتُ فيها فقد أفرد ذكر آدم ونوح، وأما إبراهيم فذكر أهل بيته وكذا آل عمران؛ لأن ذريتهم صالحة، فكانوا بيتًا يشع نورًا، فبينت السورة فيه سلوك وطريق الأولياء للاقتداء بهم في طريق الصلاح والولاية فلذلك سمّاها آل عمران، ولشأن إبراهيم عليه السلام ذكره كثيرًا في هذه السورة.
والله سميع عليم: "واللهُ يعلَمُ من يستحقُّ الاصطفاءَ فيَصطفيه؛ فهو يسمَعُ أقوالهم، ويَعلَم أحوالَهم، وما في ضَمائرِهم؛ فلذا فضَّلهم واختارَهم..فيه إشارةٌ إلى أنَّه اصطفاهم على تمامِ العِلم بهم؛ ترغيبًا في أحوالهم والاقتداءِ بأفعالهم وأقوالِهم ." التفسير المحرر
(وَمِنَ الصَّالِحِينَ) بيانُ أنَّه لا رتبةَ أعظمُ من كون المرء صالحًا؛ لكونه في جميعِ الأفعال والتُّروك مواظِبًا على النَّهج الأصلح، والطَّريق الأكمل، ومعلوم أنَّ ذلك يتناولُ جميع المقاماتِ في الدُّنيا والدِّين، في أفعال القلوب، وفي أفعال الجوارح" التفسير المحرر
أول الطريق هدى وثانيه بشرى (هدى وبشرى)
ثم إن رسخت به القدم في الهدى،
جاءته البشرى في الوسط!
(فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك) من باب تعجيل الفتوحات لمن استعجل الخيرات
ولا ترسخ القدم إلا بالعلم
(والراسخون في العلم)
«من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعف بطنه وفرجه؛ فذلك الراسخ في العلم»
وقال الفخر: هو العارف بالله، والعارف بالقرآن. والقولُ المجمل: أن الرسوخ في العلم ليس بكثرة الكتب والمحفوظات بل بالعمل بالقرآن ودراسته، ومعرفة الله والسعي الجاد بالعمل والعلم في هذه الطريقة.
استقامةُ قلب!
(يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين)
مراتب الاصطفاء:
١- اصطفاء على الذات: بالتطهير من العيوب والذنوب (إن الله اصطفاك)
٢- اصطفاء على الجماعة: (واصطفاك على نساء العالمين).
"اختارها لكثرة عبادتها وزهادتها وشرفها وطهرها من الأكدار والوسواس" - ابن كثير
وكذلك يحيى عليه السلام (وسيدًا وحصورًا) حصورًا أي مانعًا نفسه من الشهوات، وحصّل هذا المقام بكثرة المجاهدات.
ومن فرّط في المجاهدة فله من عذاب النفس الكثير! -فأنت حر واختيارك الألم أو الشفاء-
(من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان. إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد) :فيه تَشبيهُ ما يَحصُل للنَّفس من ضِيق العذاب وألَمِه، بالمشدود المُوثَق المُضيَّق عليه" .-التفسير المحرر
والمعتني بالقرآن العامل به، التالين له؛ في شفاء وروضة
(زين للناس حب الشهوات) زيّنها في النفس؛ للاختبار، ولولاها لما عُرف المنافق من المؤمن، والمؤمن من التقي والتقي من الصفي الذي لا يقدم على محبة الله شيئا
وفي البخاري أن عُمر رضي الله عنه قال: (اللَّهمَّ إنَّا لا نَستطِيع إلَّا أنْ نفرح بما زَيَّنْته لنا، اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك أنْ أُنْفِقَه في حَقِّه). ومعنى تزيينِ الله، أي: بالإيجادِ والتهيئةِ للانتفاعِ وإنشاءِ الجبلَّة على الميلِ عنْ هذه الأشياء. والله تعالى يُزيِّنها ابتلاءً واختبارًا؛ لأنَّه لولا تزيين هذه الأشياء في قلوب الناس ما عُرِفَ المؤمن حقًّا. فإنَّ قَوِيَّ الإيمان لا يقدِّمها على محبة الله عزَّ وجلَّ." التفسير المحرر
المرابطة على ثغور النفس هي أعظم الرباط بحرس الخيالات والذكريات أن تفوت إلى القلب ريحها وانبعاثها وصرفها بالاستعاذة والتهليل
وختم آل عمران بهذا المعنى (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون)
ذكر أبو هريرة رضي الله عنه سبب نزول هذه الآية "أما إنه لم يكن في زمان النبي صلى الله عليه وسلم غزو يرابطون فيه، ولكنها نزلت في قوم يعمرون المساجد، يصلون الصلاة في مواقيتها، ثم يذكرون الله فيها (اصبروا) على الصلوات الخمس (وصابروا) على أنفسكم وأهوائكم (ورابطوا) في مساجدكم." - ابن كثير
«إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط …وكررها ثلاثًا»
إن تبدوا ما في أنفسكم..: "إرشادٌ إلى تطهيرِ القلوب، واستحضارِ عِلمِ الله كلَّ وقت، فيستحي العبدُ من ربِّه أنْ يرى قلبَه محلًّا لكلِّ فِكرٍ رديءٍ، بل يَشغَلُ أفكارَه فيما يُقرِّبُ إلى الله…مَا فِي صُدُورِكُمْ البواطنُ والضَّمائر، وهو جريٌ على معروف اللُّغة من إضافة الخواطر النَّفسيَّة إلى الصَّدر والقلب؛ لأنَّ الانفعالاتِ النَّفسانيَّةَ وتردُّدات التَّفكُّر- كلُّها يشعُرُ لها بحركاتٍ في الصُّدور " التفسير المحرر
(وأنبتها نباتًا حسنًا وكفّلها زكريا)
كانت مريم عليه السلام في كفالة زكريا وهذا إنبات الله الحسن لها؛ أن جعل أمامها قدوة تقتدي به في العمل الصالح.
فمن أراد طريق الهداية؛ راقب الصالحين وخالطهم وقرن نفسه بهم وبحث عنهم واستمع وقرأ، لعل قبسًا من البركة يحصل له.
بركات المنع
(لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) وجاءت بعدها (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرّم إسرائيل على نفسه) حرم (إسرائيل: يعقوب) على نفسه لحوم الإبل لعرق النسا الذي كان معه.
التناسب بين الآيتين:
لن تنال أي خير ومنه طريق الهداية إلا باثنتين:
١- أن تنفق بعض ما تحب (قال: مما تحبون وهذا من رحمته بنا أي بعضه لا كله) ولم يقيّدها: فالإنفاق عام يشمل كل ما رزقك الله إياه: وقت، علم، مال،،
فلن تنال علم القرآن وفهمه وتبلغ ذروة العمل وحقيقته حتى تعطيه كل وقتك ليعطيك بعضه
٢- الحرمان: أن تحرم نفسك مما تحب وتشتهيه وتهوى. ومنها الأهواء تمنع نفسك منها وتحصرها (وحصورًا) وكأنه يحاصر الشهوات حصارًا، فإذا حلّت رياح المنع جاءت هبوب المنح وهذا معنى قول ابن عطاء (كان المنع عين العطاء).
(فالذين هاجروا وأُخرجوا من ديارهم)
هجرة الأولياء هي هجرة السوء: عمل السوء، وصاحب السوء وكل ما لا يليق بأهل المروءات «المهاجر من هاجر السوء» «المهاجر من هاجر ما نهى الله عنه» فهؤلاء الذين استجاب الله دعاءهم (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك..) تعجّلوا النصر في الدنيا فأبلغهم باستجابة دعائهم (فاستجاب لهم ربهم..) بسبب هجرتهم وصبرهم ومجاهداتهم.
(وجيهًا في الدنيا والآخرة)
وجاهة الدنيا: بالعلم الشرعي. قال الشافعي "ما اتخذ الله وليًا جاهلًا، فإن اتخذه علّمه".
ذلك لأن العبادة وحدها دون علم قد تسيخ بالأقدام عوض أن ترسخ، ويزيّن الشيطان لصاحبها ولربما وقع في الغلو وغيرها من الآفات. فلابد للولي من علم نافع يتعلمه ويعلمه وعمل صالح يقربه.
وجد عندها رزقا: كتبًا وصحفًا من العلم. فالعلم رزق العارف بالله وقوته.
(ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون) هم الأمة التي دخلت من أهل الكتاب في الإسلام؛ فقاموا الليل والناس نيام، ولا نتخيل وليًا لله لا يصلي القيام أو الوتر ولو بركعة، ولا نتخيل وليًا لله ليس له ورد من القرآن يومي ولو آية.
هدايا المحبة وعطايا القُربة
ختم هذا الطريق بأن من صبر على طريق الولاية نالها بتوفيق الله (كل من سار على الدرب وصل) ✨
وحصلت له ألوان الكرامات، وحلاوة الفتوحات، والنصر على الأعداء "أنَّ الصَّبر والتَّقوى يَدفعانِ الأعداءَ؛ لقوله سبحانه: وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شيئًا" التفسير المحرر
والنصر في الدنيا والآخرة (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم يتبعون جميع المرسلين وبهذا يكرمهم الله بالنصر في الدنيا والآخرة
وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ( أي: وأمَّا الَّذين آمنوا وعمِلوا الصَّالحات، فيُتمُّ لهم جزاءَهم من الثَّواب دون نَقصٍ أو بَخْسٍ في الدُّنيا والآخرة، في الدُّنيا بالنَّصر والظَّفَر، والإعزاز، والحياة الطَّيِّبة، وحُسن الذِّكر، وغير ذلك، وفي الآخِرة بالجنَّةِ والنَّعيمِ المقيم " التفسير المحرر
— شروق المحمادي
📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)
💬 تعليقات المسافرين
لا تعليقات بعد… كن أول من يعلّق ✈️