شعب العلاقة مع القرآن

شعب العلاقة مع القرآن، ودرجات أخذ الكتاب بقوة

تحدثتُ في مقطع سابق عن تشعيب العلاقة مع القرآن الكريم، وقلتُ إنني سأتوسع في ذكره فيما بعد.

أعني بتشعيب العلاقة مع القرآن الكريم: أن تكون العلاقة معه متعددة لا من نوع واحد؛ فلا يصح أن يقتصر الإنسان على القراءة وحدها، أو يكتفي بالحفظ وحده، أو بالتفسير والفهم وحدهما، بل هي أنواع عليه أن يأخذ بها ويسلك طريقها، ولكن بالتدرج. وسنعلم كيفية هذا الطريق وما الأدلة عليه.

أول العلاقة مع القرآن الكريم التلاوة، بحسب ما يُفتح للمرء من أجزائه، ولو آيةً أو آيتين أو ثلاثًا في اليوم الواحد، ثم يتدرج بعد ذلك: نصف جزء، فجزءًا، فثلاثة أجزاء، فخمسة أجزاء.

ثم فيما يفتح الله تعالى للإنسان بعد التلاوة، والأفضل أن يمضي إلى الحفظ، ثم إلى فهم القرآن والقراءة في التفسير والأخذ من كتبه وعلومه. وعليه في كل هذه المراحل أن يعمل بالقرآن الكريم منذ أول حرف يقرؤه منه.

أما من أين أخذناه، فمن دعاء إبراهيم عليه السلام في سورة البقرة: (ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم).

قال فخر الدين الرازي إن المقصود أن يُبدأ بهذا الترتيب: أي يبدأ بالتلاوة (يتلو عليهم آياتك)، ثم بعد ذلك (ويعلمهم الكتاب) أي يبيّن لهم معاني القرآن الكريم؛ والمقصود بالكتاب القرآن، والمقصود بالحكمة السنة. (يتلو عليهم آياتك): يبدأ بالتلاوة، ثم بعد ذلك التفسير والفهم (ويعلمهم الكتاب والحكمة).

ولهذا فإن من تشعيب العلاقة مع القرآن الكريم العلاقةَ مع السنة النبوية؛ فهي لا تنفك عن القرآن الكريم أبدًا. ولهذا لا بد للإنسان أن يقرأ في السنة النبوية، وأن يكون له فهمٌ ودرايةٌ بها؛ فهذا أيضًا ضمن العلاقة مع القرآن الكريم. فليست العلاقة مع القرآن الكريم علاقةً مع القرآن وحده؛ إذ القرآن لا ينفك عن السنة النبوية، ولهذا قال: (ويعلمهم الكتاب والحكمة).

والله تعالى يقول أيضًا: (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه)؛ فيبدأ أولًا بالقراءة على هذا الترتيب: التلاوة والحفظ والاشتغال بهما، ثم بعد ذلك التبيين والتفسير، ثم التدبر.

ذمّ الله تعالى أهل الكتاب فقال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني وإن هم إلا يظنون)؛ بمعنى أن علاقة هؤلاء من أهل الكتاب -والمقصود بهم هنا اليهود- علاقة قراءة فقط؛ يقيمون ألفاظه ولا يعملون به ولا يفهمون معانيه. وتفسير أنهم لا يفهمون معانيه: أنهم لم يشتغلوا بتفسيره وفهم معانيه، وسؤال أهل العلم والتلقي عنهم في ذلك؛ ولهذا فهم لا يفقهونه ولا يعملون به.

لماذا لا يعمل أهل الكتاب به؟ لجهلهم بمعانيه وتفسيره. ولو أنهم اطّلعوا على التفسير والمعاني وفهموها، لاستطاعوا أن يعملوا بها، ولاستفادوا وانتفعوا، ولكنهم اقتصروا على قراءة الألفاظ فقط.

ولهذا قال ابن عثيمين رحمه الله: وفي هذه الآية ذمّ الله تعالى مَن يقرأ الكتاب ألفاظًا ولا يفهم معانيه، وتبيين أهمية فهم القرآن الكريم وتفسيره.

ويقول الله تعالى أيضًا: (كلما أضاء لهم مشوا فيه). وهذا المثل -المثل المائي كما سماه بعض المفسرين- ضربه الله تعالى بالقرآن الكريم؛ أي بالبرق: بنور القرآن الكريم وبرهانه. فكلما أضاء هذا البرقُ -القرآنُ- استطاع المنافقون أن ينتفعوا به، فيمشون على قدر ما أضاء لهم؛ فهم يستفيدون من القرآن الكريم، ولكن انتفاعهم قليل بما يُظهرونه من الإيمان؛ يخادعون به المؤمنين في الظاهر، وهم في الحقيقة يخادعون أنفسهم. فعلى قدر إضاءة القرآن لهم يمشون، وتعود إليهم بذلك حركة الحياة وينتفعون، فإذا انطفأ هذا النور ببعدهم عن القرآن الكريم (وإذا أظلم عليهم قاموا) بمعنى وقفوا، فلا يستطيعون حراكًا ولا ينتفعون.

ومن التدبر الذي جاءني في هذه الآية: أنه بقدر فهم الإنسان للقرآن الكريم يكون عمله؛ بمعنى أنه كلما زاد الفهم، واتسع التفسير، واتسعت المعاني والاطلاع والمعارف بالتفسير والاشتغال به، اتسع العمل بالقرآن الكريم، وحسُن منهج الإنسان في الحياة، حتى تفكيره وتوجهاته. وبقدر ضيق فهم الإنسان للقرآن الكريم وقصر اطلاعه على التفسير، يكون ضيق عمله وقلّته، وضيق فهمه حتى للحياة.

وفهم القرآن الكريم فهمٌ للحياة؛ فكلما زاد فهم القرآن الكريم زاد فهم الإنسان لنفسه، ولحياته، وللناس من حوله، وللآخرة، إلى آخره.

ومن أنواع شُعب العلاقة مع القرآن الكريم: التدبر. ولكن هل يمكن التدبر دون فهم؟ لا، لا بد من الفهم؛ ولهذا: كلما اتسع -كلما أضاء لهم- كلما اتسع فهم الإنسان للقرآن والمعاني التي فيه، لم يزدد عمله فحسب، بل فتح الله تعالى له في تدبره أيضًا. فإذا وجدت إنسانًا قد فُتح له في التدبر، فاعلم أنه مُكثِرٌ من القراءة والاطلاع والاستماع في تفسير القرآن الكريم.

وآتي الآن إلى أخذ الكتاب بقوة: لما نتق الله تعالى الجبل -الطور- فوق بني إسرائيل تخويفًا لهم، أخذ عليهم الميثاق، ومنه: (خذوا ما آتيناكم بقوة)؛ ما آتيناكم من التوراة، ما آتيناكم من الكتاب: خذوه بجدٍّ وهمةٍ ونشاطٍ وعزيمةٍ على حفظه.

وهذه العزيمة والقوة على ماذا؟ على شُعب هذه العلاقة: الفهم والحفظ والتلاوة؛ خذوه بعزيمة ونشاط وهمة، لا بفتور وكسل.

لما حفظتُ القرآن الكريم -والحمد لله- كنت أظن وأحسب أنني إذا وصلت إلى الحفظ فقد ختمت وانتهيت، ولكنني اكتشفت أن حفظ القرآن نصف القوة، وليس كل القوة؛ هو مهم جدًا، ولكنه بعض القوة لا كلها.

ثم عرفت بعد ذلك قوة الاطلاع على التفسير والمطالعة فيه، والإكثار من القراءة والاستماع فيه، وأن هذه لعلها تمام النصف الثاني من القوة. أي أستطيع أن أقول -على سبيل المبالغة والتأكيد-: إن نصف القوة الحفظ، والنصف الآخر الفهم.

ولذلك لما سأل أحدُهم بعضَ العلماء: ماذا أفعل بعد حفظ القرآن الكريم، أأنشغل بالقراءات أم بالتفسير؟ قال له: بل انشغل بالتفسير؛ فهو أولى من القراءات.

وهذا لكل إنسان بحسب أهدافه، ولكن هذا ما أمر به الله سبحانه وتعالى: ألا ينشغل الإنسان بالألفاظ فقط؛ ولهذا ذمّ أهل الكتاب بأنهم انشغلوا بالألفاظ. والقراءات جميلة حسنة، ولكن ليقرأ الإنسان ولو الشيء اليسير في كتب التفسير الموجزة الميسرة ليفهم، فإذا فهم انطلق بعد ذلك إلى القراءات العشر وغيرها من علوم القرآن الكريم.

فنصف القوة الحفظ، ونصف القوة الآخر الفهم. فإذا أوتي الإنسان قوة الفهم، فإنه -بإذن الله تعالى- يؤتى التدبر والعمل؛ فالتدبر والعمل ثمرة هاتين القوتين.

فإذا فُتح للإنسان في التدبر والعمل، فاعلم أنه لم يُفتح له في التدبر إلا لأنه عمل. وأستطيع أن أرتب العلاقة بين التدبر والعمل فأقول: العمل أولًا ثم التدبر؛ لأنه كيف يُفتح له في التدبر وهو لا يعمل بما في الكتاب؟

ولكن العمل يبدأ منذ أول مرة يقرأ فيها حرفًا من القرآن، وكلما فُتح له في الفهم عمل، وطوال الوقت يعمل بالكتاب؛ فلا يوم ولا ساعة لا نعمل فيها بالكتاب، ولا إجازة ولا استراحة من العمل بالقرآن.

الإجازة تكون في الأعمال الدنيوية، أما القرآن ففي كل نَفَس وذرة من حياة الإنسان، يحيا فيها بالقرآن الكريم.

🎬 المقطع على يوتيوب

— شروق المحمادي

📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)

رحلات أخرى في «شعب العلاقة مع القرآن»

شعب العلاقة مع القرآن

في بداية علاقتك مع القرآن

استمع لسورة تحبها لصوت قاريء تحبه -بغض النظر عن إتقانه للتجويد أو لا لأن الغرض هنا هو بناء المحبة بينك وبين القرآن-.

٢ أغسطس ٢٠٢٦ · دقيقة قراءة