(قال إن الله مبتليكم بنَهَر) انقسموا إلى ثلاثة فرق:
العاصية: اغترفت أكثر من غرفة بيدها.
الذين آمنوا: اغترفوا غَرفة واحدة.
المتقون: لم يشربوا.
المعصية حجبت الفريق الأول عن الهمّ بالطاعة (طاعة الملك الذي ولي عليهم، والقتال معه في سبيل الله) وأوهنت العزيمة وأضعفت الهمة؛ وهكذا تُعلّمنا الدنيا أن حُبها هو الحظ الأدنى من كل شيء، فمن كانت همته تصل إلى هذا الحد وجدته ضعيف القوى، مهزوم النفس، لم يتعلم أن هناك أشياء عليا أعلاها الفردوس الأعلى، وفوقها عرش الرحمن.
هذا معروف حتى في السايكلوجية: من وضع لنفسه هدفًا أدنى فإنه يظن أن قدراته لا تسمح له بأكثر من هذا، ويخرج بنتائج متدنية وضعيفة ما يسمونه بقلة الكفاءة.
وأما من جعل الآخرة همّه؛ وجدت همته عالية جدًا، كمن وسّع قدراته، وأطلق العنان لفرسه فلا يرضى بالدون والدنيّة. يريد الأعلى في كل شيء: العبادة، والعلم، والاختصاص، والخدمة لوطنه،،.
وتفاوت الناس في درجاتهم في الآخرة بحسب تفاوت هممهم على تلقي العلم في الدنيا؛ فانظر ماذا تختار وأبصِر.
والفريق الثاني: الذين آمنوا معه؛ اغترفوا غرفة، أخذوا بالمباح، غير أن كثرة المباحات والملهيات أثقلتهم عن السير والمقاتلة؛ فأحدثت عندهم النية بالمقاتلة، ثم ساروا معه قليلًا ثم توقفوا (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) الصبر يشحذ الإرادة طويلة المدى، وهو إنما أراد حرمانهم من النهر لا عقوبة لهم بل اختبارًا وتربيةً على النَفَس الطويل.
والفريق الثالث: الذين اتقوا وصبروا، -وهل من تقوى دون صبر؟- على العطش والصيام والزهد والورع، والجفاف والحرمان والإقتار والبأساء: الفقر، والضراء: المرض. فهؤلاء الذين ساروا حتى النهاية، وجالدوا ببسالة وبراعة وضراعة إلى الله (قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين).
(فشربوا منه إلا قليلًا منهم) وهؤلاء القليل الذين لم يشربوا وتوّرعوا هم الذين قالوا:
(قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)
ثم انظر إلى وصفه البليغ الذي كان وراء همتهم السامية وثباتهم والجَلَد: (الذين يظنون أنهم ملاقوا الله)
تعلقت هممهم بالآخرة؛ (يظنون: يوقنون) بملاقاة الله، وآثروا الذي هو خير على الأدنى، فأكملوا المسير، وصابروا وصبروا (فهزموهم بإذن الله).
تخبرنا الحكاية أن من آثر الآخرة على الدنيا سمت همّته وارتفعت وشمخت شموخ الجبال، وأن من انتصر على أهواء النفس وشهواتها، صبر وانتصر على معارك الدنيا، ولا يظفر هناك من لم يظفر هنا. فالمُلك أن تكون مَلكًا على مملكة نفسك. وأن من رجا الله ولقاءه، لا يرى شيئًا أمامه في الدنيا إلا ألقاهُ، فلا يلقاه من الدنيا إلا ما خلّف وراءه!، والذي وراءه وراءه! لأن المعنى أكبر، والهمّ الآخروي أثقل، والله أرجى من كل خيرٍ وأمل.
* والذي وراءه وراءه!: يعني الذي جعله خلفه يجده أمامه، وهذا معروف في القرآن (من ورائه جهنم) ورائه: أمامه.
— شروق المحمادي
📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)
💬 تعليقات المسافرين
لا تعليقات بعد… كن أول من يعلّق ✈️