وهدأت القلوب، وسكنت الأرواح، العصافير صادحةً والبلابل مغرّدةً "والشمس الرائعة الشمس قد طلعت والدنيا عُرسُ" السماء! حتى السماء تزيّنت بألوان الطيف ولبست ساعات البدر، وسحب الغمام ولّت
انظروا يوسف يلتقي بأبيه؛ يتلقّى القافلة، وقبلها اجتمع بأخوته، ومن قبلها بأخيه.
الافتراق الشديد وتقطّع القوم وانقطاع الشبكة هو أول حلقات الحياة: ألقوه في غيابت الجب، مع حلقات مريرة وليال دامعة (وجاءو أباهم عشاء يبكون) والنفس ملّت وانتهت، والأيام والليالي ولّت أدبرت، والرواحل أقفلت، ماذا بعد ننتظر!
انتظر! لم تنتهِ الحلقة بعد،
ثم يجتمع الشمل شيئًا فشيئًا: يجتمع بأخيه بنيامين (آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون).
وهذا آذانٌ ليوسف بأنه إن استطاع أن يجتمع بقريبه فالحب الأكبر أبيه يلتقي به ولكن في آخر الدقائق؛ عند اكتمال النعمة، وكبر السن الذي يلتهم اللقمة.
ثم يجتمع بأخوته: (قال لا تثريب عليكم. اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين) كما في قراءة ورش عن نافع فالوقف عند عليكم. ليكون المعنى: اليوم الذي يجتمعون فيه هو يوم الصفح والسمح ومغفرة الذنوب.
ثم يلتقي بحِبه الأكبر: أبوه (آوى إليه أبويه)
عودة صغير دليل على عيد الأضحى الأكبر
(ولما دخلوا على يوسف آوى إليه أخاه قال إني أنا أخوك فلا تبتئس بما كانوا يعملون)
(فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبويه وقال ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين)
[المشهد الثاني: صامت بدون سكريبت]
تلقيه في اليم، رضيعًا.. من أين يلقاها؟ ظلمة الليل الحالك أم ظلمة البحر الهالك، أم قسوةُ القدر، أبعَدَ صدر أمه الحنونِ.
على شطء الأمان، يلقى عدوّه.
ضاع الأمان والحنان.
بكت وتصدّع قلبها وفَرِقَ من فراقه (وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين)
هناك وعدٌ حسن من نوع الوعد بالاجتماع بعد الافتراق وهو وعد حق لا مرية فيه
ومثل يوسف التقى الرضيع بأخته أولًا (وقالت لأخته قُصّيه) ليكون المعنى: كما قدرت على أن آتيك بقريبةٍ منك (إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله)؛ فأنا القادر على أن آتيك بأحب القلوب إليك وأقربها زلفى منك ودنوًا فيك (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون) نفسُ كلمات الأم، كلماتُ الأب! (فلما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصيرًا قال ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما لا تعلمون)
ماذا يعلم الشيخ يعقوب -عليه السلام-؟ وماذا تعلم الأم؟
يعلمون أن وعد الله حق بالاجتماع ولو في الجِنان عند انقطاع الآجال والآمال، حقًا لا مرية فيه (إنك ميت وإنهم ميتون ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)
قد تكون مخاصمة المظالم أو عتابات أحبة.
[المشهد الثالث/ الحبكة الأصعب]
يمرض حتى يشرف على الموت
ويُفارقه كل أحبابه وأولاده،
هل يلقاها من مرضٍ سجن بدنه؟ أم من فراق أبدانه!
يعاني حتى سَمَاهُ وسمّاهُ (الضر) (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر)
وهو ضر لأنه ضل الجميع عنه؛ وبقى في لقاء مع الحبيب الأول: ربي وربه الله (وإذا مسكم الضر ضل من تدعون إلا إياه)
وجاء المدد، واللقاء، وجيشُ العدد (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِين) (ووهبنا له أهله ومثلهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب)
ذكرى للعقلاء!
وذكرى للعبّاد!
أن نهايات الفراق؛ بداية الاجتماع.
إنها سنةُ الله في كونه؛ لكنكم تستعجلون.
(فراق الغضبى)
فارق قومه غضبًا منهم ففارق البر والبحر والأرض وصار في الغموم حتى ظن قومه أنه لن يعود،
وعاد
نفسُ قصةِ أيوب مرضٌ وفراق (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) لكنها هنا فراق ومرض!
لا يهم الترتيب، فكلنا نمر بهذه الأقدار.. لكن العلم والحكمة على حسب أمرّها في القِدم؛ المهم قل لي من تشبه: ذو النون أم أيوب؟
ثم جاء الشفاء واللقاء (وأنبتنا عليه شجرة من يقطين وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون).
ولما كان اللقاء كان أرقى من الفراق
فهم أحسن إيمانًا وأخلاقًا مما تركهم عليه
ولو لم يحصل هذا الفراق، لم يفرق الإيمان معهم
ولعل فراقًا أحصل توبة، ولعل بينًا أبانَ علمًا.
(فراقان أو ثلاثة وربما أكثر / تحذير للمشاهد: ليس لأصحاب القلوب الضعيفة)
أصعب الفراق أن يطردك من تُحب،
ويأمرك الذي تحب أن تفارق من تحب،
طرده أبوه (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليّا)
فارق داره ووطنه وأرضه
ثم يأمره الله أن يقتل ابنه بيده!
فراق يحصل بغير يدك
وفراق يحصل بيدك
هذه لابدّ منها في الحياة (إن هذا لهو البلاء المُبين)
أما الفراق الذي يحصل بغير يدك فهو القدر
والفراق الذي يحصل بيدك هو الاختيار، أن تختار الصالحين وتفارق الفاسقين؛ ليس لكمالك طبعًا! ولكن بالكاد المرء يُحافظ على صلاحه، فليس عندنا وقت للنقاش في طريقٍ اخترناه.
(فراق المُكره واجتماع المضطر/ مشهد حزين)
(وجعل أهلها شيعًا) قطع فرعون بني إسرائيل ومزقهم فرقًا حتى لا يجتمعون بالإكراه والإجبار، ولا يكون لهم المُلك والسيادة.
وفي الآية احتباك! وهو حذف الآخر للدليل على الأول: فحذف آخر الأمر اجتماعهم، وذكر أوله افتراقهم (وجعل أهلها شيعا).
يعني أن ما ظاهره الفراق، باطنه رحمة الاجتماع (فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن)
(مشهد قد يُدمج مع السابق)
عداوات وأحقاد وغضب وكره ووجه لا يطيق رؤية الوجه، من كان صاحب بصيرة أدرك النهاية: (عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم)
كل عسى في القرآن واجبة: أي واجبة الوقوع والتحقيق. أنكرها العقل أو النفس هي واقعة واقعة لأنها دين (وإن الدين لواقع).
قدير على اللمّ بعد الصَرْم
وغفور رحيم يغفر ما بين المتخاصمين فيتوب عليهم ليتوبوا ثم يصالح بينهم؛ (والصلح خير) وهل كل خير إلا من الله؟
(يا أيها النبي إذا طلقتم النساء…) حتى قال (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا)
لا تدري الغيوب يا محجوب، ولا ما فيها من أقدار وما ستر عن الأعين والأستار، فلعل رجعةً بعد طلقة ولعل جمعة بعد فرقة.
لأن الأمر كله لله.
— شروق المحمادي
📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)
💬 تعليقات المسافرين
لا تعليقات بعد… كن أول من يعلّق ✈️