تأملات في القرآن والسنة

رسالة في حدود الأفكار / ١

اعلم وفقنا الله وإياك أن للقلوب كسبًا وللعقول حدًا.

أما كسبُ القلوب: أعمالها وما تضع فيه من خطرات وما استودعته من مِلَحٍ وعَبَرات، وهو قوله (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم).

وللعقول حدًا تنتهي إليه وتقف عنده؛ لو جاوزته لأهلكت الحرث والنسل، (والله لا يحب الفساد) حتى في العقل لا يحبه! لأن العقل حرثُ الأفكار وغرس الأعمال وتربية الروح وغذاء اللطائف ودنوّ الأسرار وتزوّد الأخبار؛ فإن الإلهام من الرب تعالى تشريف وتكريم، لا يليق نزوله إلا على صعيدٍ طيب، كالذاكر لا ينبغي له أكل ثومٍ وبصل، ومصلٍ لا يحل له الصلاة في نجس.

ويعرف العارفون أن من حُرِم اللطائف والمعارف وحجبت عن قلبه؛ فذلك من ذنب كسبه قلبه وخاطره لا من جوارحه؛ ألم تعلم أن الجزاء من جنس العمل؟

لأن اللطائف علومٌ خفية حُجبت عن الخلق، واُختصت بالعبد، وسرت إلى الباطن وجدُها فوَجدها. وقال فخر الدين الرازي رحمه الله عن قوله تعالى: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضًا): هو المنعُ من زيادة الألطاف.

فكسبُ القلوب يحجب الأفهام، أو يجلي البصائر بفهمها عن العلّام.

فهذه حسرةُ العارفين عن أحوال حصدوها ولطائف شاهدوها، ثم حجبت عنهم بذنوب القلب، فهذه حسرتهم في الدنيا، ولا غير.

إن الصوفية بالغوا وغلوا في الفناء والأبدية بالتفكر الدائم في حضرة الصمدية. لأن الإنسان مهما كان بحاجة إلى التفكر في دنياه كما أُخراه

ألم تسمع قوله: (لعلكم تتفكرون في الدنيا والآخرة)؟

يريد بها التفكر في مصالح الدنيا وشؤونها وعلومها من كيفيات وتدبير لأنه؛ لا صحة للعمل إلا بصحة الفكر. فإذا علمته -سلّمك الله- انتقلنا إلى حدوده

حدود التفكر في الدنيا

إن ما كان ظاهره الإباحة، كان باطنه مباحًا. أي التفكر فيه مباحًا، وما ظاهره التحريم في الجوارح، فالتفكّر فيه حرام! وبينهما متشابهات: بحسب نور العارفين ودرجات التقوى تجلّى الفهم وقوي الورع.

فإذا علمت سلمت.

(واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه) "توعدهم على ما يقع في ضمائرهم من أمور النساء، وأرشدهم إلى إضمار الخير دون الشر، ثم لم يؤيسهم من رحمته، ولم يقنطهم من عائدته فقال: واعلموا أن الله غفور حليم) " - ابن كثير

وهذه الآية جاءت في سياق خطبة النكاح، ولأن أكثر الأهواء تقع في بابها أوردها هنا.

فحريّ بالحازم الفطين أن يحزم أمتعة أهوائه وعواطفه بالبتر، والشجاع الكريم أن يقف ضد جريان طباعها ومغالبتها؛ فإن هذا لهو الشأو العظيم، والعزمُ الكبيرُ المنتهى.

قلنا وإن شعر بالمحبة فلا تكليف في الشعور، على ألا يشرب من كأس التخيلات ولا يدخل في مسبباتها من استرسال. والقوي الأمينُ متانةً من رابط على ثغور: الخيالات والذكريات فتجرّد منها وقال: الله الله، ربي لا أشرك به شيئًا. (وخذ زادك من مهارات علم النفس في التحكم في الأفكار فإنه نافع مفيد وخذه بغية النقاء من الأهواء، والسلوك إلى رب العالمين)

حدود التفكر في الآخرة

يفكر فيها من باب الخضوع والتذلل والخشوع لا على بابةِ الخائضين في علم الغيب المتفلسفين على الرب في صفاته -تعالى عما يقولون علوًا كبيرًا-.

بل يتفكر في الجنة لتشتاق نفسه إليها، ويتخيل الوقوف والسؤال بين يدي رب العالمين، وليتكلّف الخوف والخضوع والمحبة فإن بداية السالك تكلّف ونهايته بلوغ ورشد.

ولا يعتذر عند وقوعه في أفكار الأهواء بأعذار السقم والهروب فإن يوسف عليه السلام عدّوا له عشرة أعذار للوقوع في المعصية فلم يفعلها رغمها!

فهو شاب وغريب وأعزب وهي ملكة القصر يصل إليها النهي والأمر، ورغم هذا هرب منها ورفضها فأذلها بذلك وعزّ.

فدع عنك الأعذار فإنه حتى الأنبياء كانوا في زمن فتن ولست وحدك المُختبر.

— شروق المحمادي

📖 … قراءة مكتملة (تُحسب حين يصل القارئ إلى آخر المقال بعد وقت كافٍ للقراءة)

رحلات أخرى في «تأملات في القرآن والسنة»

تأملات في القرآن والسنةمقالات نفسية واجتماعية

تشجيع النفس

تشجيع النفس؛ ورد في قوله (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتًا من أنفسهم)

٢٤ يوليو ٢٠٢٦ · دقيقة قراءة